محمد هادي معرفة

162

التمهيد في علوم القرآن

التسلسل القصصي . وهذا كله ملحوظ . وفي بعض الفواصل يبدو ذلك جليا مثل : « أفرأيتم اللات والعزّى . ومناة الثالثة الأخرى » . فلو أنك قلت : أفرأيتم اللات والعزّى ومناة الثالثة لاختلّت القافية ، ولتأثر الايقاع . ولو قلت : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الأخرى فالوزن يختل . وكذلك في قوله : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى فلو قلت : ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ضيزى لاختلّ الايقاع المستقيم بكلمة « إذا » ولا يعني هذا أنّ كلمة « الأخرى » أو كلمة « الثالثة » أو كلمة « إذا » زائدة لمجرّد القافية أو الوزن ، فهي ضرورية في السياق لنكت معنوية خاصّة وتلك ميزة فنيّة أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدّي معنى في السياق ، وتؤدّي تناسبا في الايقاع ، دون أن يطغى هذا على ذاك ، أو يخضع النظم للضرورات . ملاحظة اتّزان الايقاع في الآيات والفواصل تبدو واضحة في كل موضع على نحو ما ذكرنا أو قريبا من هذه الدقّة الكبرى . ودليل ذلك أن يعدّل في التعبير عن الصورة القياسية للكلمة إلى صورة خاصّة ، أو أن يبنى النسق على نحو يختلّ إذا قدّمت أو أخّرت فيه أو عدلت في النظم أيّ تعديل . مثال الحالة الأولى حكاية قول إبراهيم : قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ « 1 » . فقد خطفت ياء المتكلّم في « يهدين ويسقين ويشفين ويحيين » محافظة على حرف القافية مع « تعبدون ، والأقدمون ، والدين . . . » ومثله خطف الياء

--> ( 1 ) الشعراء : 75 - 82 .